مذكرات 2008/2009

لقد سمعتُ الحرب جيداً، وأصبحت مهارتي في تحديدِ مكان الانفجار جيدة بشكلٍ كافٍ، من خلال درجة اهتزاز البيت، وعلو الصوت، إذ أننا لم نكن نشاهد التلفاز أبداً بعد أن انقطعت الكهرباء بشكلٍ كُلي،

 

وكُنا نعرفُ أخبارنا من خلال المكالمات الهاتفية التي تخبرنا عما فعلتهُ الحربُ بنا، صوت انفجارٍ واحدٍ يهزُ البيت والهاتف، ويخرجُ مدوياً من تلفاز أقاربي في الخارج، ثم يخترقُ السماعة مرةً ثانية ليضربَ أذني قبل أن يُزيحهُ صوتٌ أكثر شراسة فيما أنا متجمد أكتمُ نفسي حتى ينفرط عنقود الأصوات، لأخرجَ أنفاسي وأرد: نحن بخير لم نمت!

بعد عدة أيامٍ من الحرب، تم الاتفاق على أن هناك هُدنة جزئية، ساعتان أو أقل في اليوم الواحد، لا تكفي لطابور المخبز، أو الدكان، أو للاطمئنان على الجيران، أو تفقد البيت، ولا حتى زيارة البحر، ساعتان نركضُ في الشارعِ دون أن نثق بأن هذه الهدنة حقيقية، وأن علينا أن لا نصدق الهدنة في وقت الحرب، إلا أنني كنتُ أفكِرُ في الحب!

نزلت من المنزل مسرعاً، كانت أخبار حبيبتي قد انقطعت منذ أول يوم في الحرب، وكل الاحتمالات كانت قد قفزت إلى رأسي وقلبي، كنتُ أهرولُ في الشارعِ مثل طفلٍ فقد أمه يوم القيامة، أهرولُ وأنظرُ إلى السماء لأتأكد أن الهدنة لم تنتهي بعد، أهرولُ وأفكرُ في احتمالِ أنها قد ماتت، إلى أن وصلت باب البيت، هنا توقفت، البيت سليم ليس به شيء، أهلها قد يعترضون على زيارتي، ربما تنكر معرفتي، ربما هي في حال غير جيدة لاستقبالي، لماذا أدخل وأشعل لها حرباً داخل الحرب، إلى أن انتهت الهدنة وسقط أول صاروخ، الآن الحرب من ورائي والحب من أمامي، طرقت الباب بقوةٍ مثل مجنونٍ، ودخلت، أين هي؟ هل هي بخير ؟ هل أنتم بخير، الجميع ينظرون مذهولين، تأتي حبيبتي، تسلم عليّ وتبتسم، هل أنتِ بخير؟ نعم بخير، وأنت؟ أجيبها: لا أعرف، وأخرجُ من بيتها مسرعاً، دون أي تفكيرٍ، دون أي وداعٍ، دون محاولةٍ للتفكير بتلبية دعوة أمها بالجلوس، أخرجُ دون درايةٍ بما فعلته أو سأفعله الآن، وأمشي ما يقارب ثلاثة كيلو مترات ملتصقاً بالحائط، قلبي يدق ويطرقُ الجدران لا هو حبٌ ولا هو خوف، وعيناي على السماء تراقبُ موتي الحديدي الذي قد يصطادني في أي لحظة!

في الحقيقة، أنا أكره هذه الذكريات، ولا أريد أن أكررها مرةً ثانية، وأكره الحرب، ولا أريد الموت، وأكره فكرة أنني موجود الآن في غزة، وأكره فكرة أن أكون خارجها أيضاً، لأنني أكره فكرة أن أنجو فيما هناك من يموتون في ذات اللحظة!

 

نشرت في مجلة فلسطين الشباب

Love_war_(6405241535).jpg

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s