عشر ساعات في غرفة تحقيق

حائط أبيض ونظيف جدًا، على بعد ثلاثين سنتيمترًا من وجهك، لا ثقب فيه تتسلى معه، ولا شق صغيراً تدسّ فيه أفكارك وهواجسك لعلها تخرج إلى العالم. رقبة متيبّسة غير مسموح لها النظر إلى أي جانب، وهدوءٌ طويل. تجلس على كرسيٍ صغير شبه مقرفصٍ، وبانحناءةٍ خفيفةٍ في الظهر، تحدّق في الورقة المكتوبة أمامك “من يَقُلِ الصدقَ ينجُ”، أي صدقٍ تقصد اللوحة، وأي نجاة؟

تطيل التحديق في الورقة، تتمنى لو أن لونها أخضر، أو أزرق، لماذا الأبيض؟ هذا لوني المفضّل لكن ليس فوق هذا الكرسي، وليس اليوم، لو أن فيها خدشًا جانبيًا، أو تمزّقًا خفيفًا في أطرافها، لماذا كل هذه النظافة والترتيب، ألم يستطيعوا إلصاقها بملصق ملون بدل الشفاف؟ هل يوجد ورقة؟ يبدو أن الجملة مكتوبة على الحائط.

نظفت أظافري وقشّرتها، أرغب في قضمها الآن، لكن ممنوع أن أرفع يدي إلى الأعلى، سأكتفي بأن أتخيّلها بين أسناني. حرّكتُ إبهاميّ عكس بعضهما بحركة دائرية، أصبحت في مدّة قصيرة خبيرًا في ذلك، وحرّكت أصابع قدميّ داخل الحذاء، وشعرت بكل قطرة عرق تسيل من إبطي حتى خاصرتي، وبكل شعرة تتحرّك على جسدي، وفركت أسناني ببعضها بعضًا، وحرّكت فتحات أنفي، وكلّما كان الهدوء يزداد كان الحائط الأبيض يقترب من وجهي أكثر.

 

ألن يكلمني أحد؟

بالطبع لم تصلني الإجابة على ذلك، لأنك ممنوع من الكلام، لكنهم تكلّموا مع الذي في جواري، هو يجلس منذ ساعات ولا أعرف شكله، فقط لمحت حذاءه الأسود والغبار الكثيف عليه. أريد أن أراه، ماذا عن الآخر على الجهة اليسرى، هل يرغب في رؤيتي، ربّما أتسلى في حفظ ملامحه، نحن رفاق الوقت الطويل، من العيب ألا أسلّم عليه، سأجرّب أن أدقّ بأطراف قدمي على الأرض، لعلّه يجيب.. لا جواب. كنت أودُّ لو عرفت اسمه، لكنهم نادوه بلون قميصه، على الأقل عرفت أنه يلبس قميصًا رماديًا.

 

“حرّكتُ إبهاميّ عكس بعضهما بحركة دائرية، أصبحت في مدّة قصيرة خبيرًا في ذلك”

 

حسنًا، ألن يضربني أحد؟

أنا موجود هنا منذ ساعات، هل نسوا ذلك؟ لا أظن، أسمع صوت الحارس خلفي تمامًا، يدير حواراتٍ اجتماعية، تكلّم مع زوجته، عرفت ذلك من نبرة صوته، وحرصه على عدم ذكر اسمها أو كنيتها، كان يسأل عن شقق سكنية، كنت أعرف واحدة، لو تركني أتكلم لأخبرته عنها، كنت سأساعده بالتأكيد، وتكلّم مع تاجر سيارات، المسكين يبحث عن قطع مستعملة لسيارته، كنت أعرف متجرًا جيدًا أيضًا لكنني ممنوع من الكلام، إلا أنه أقفل الهاتف قبل أن أدير وجهي وأخبره، وعاد الهدوء مرّة ثانية.

 

كلما ازداد الهدوء، ارتفع صوت ساعة يدي، أكره ساعات اليد، هكذا قرّرت، وأكره عقاربها. لماذا لا تصمت؟ إنها تدقّ في رأسي. أكره ساعات اليد، ولا أستطيع كسرها، ولا خلعها، فقط أحدّق فيها، وأطلب منها أن تموت. الغباء أن تأخذ ساعةً إلى مكانٍ يسحب منك الوقت على مهل.

صوت صراخ يجيء من بعيد ويغطي دقّات الوقت، لا تعرف صوت من، لكنه صراخ بلا ملامح، صراخ أبيض، يرتطم بالحائط ويرتدُّ إلي. صراخ في الغرفة كلها من تحتك من فوقك، لا تعرف، لكنه ينفضك كأنك على كرسي كهربائي.

عشر ساعاتٍ مضت، ذهب رفاقي، صاحب القميص الرمادي، وصاحب الحذاء الأسود، رحلا وتركاني، لم يسلّما، ولم أسلّم، عشر ساعات مضت، أسمع أذان العشاء، ألن يجبروني على الصلاة حتى؟

– لو سمحت، أنا موجود هنا منذ عشر ساعات، ولم أعرف لماذا، ولم يُحقِق معي أحد. أريد أن أرى الضابط المسؤول الآن.

– ما اسمك؟

– محمد

– ماذا تفعل هنا؟

ماذا أفعل هنا؟ بالتأكيد لم أكن أتنزّه، ولم أكن أجلس في المكتبة، بالتأكيد يسخر مني، هذا جنون.

– جئت بناء على طلب الاستدعاء.

– يمكنك الذهاب الآن، لا يوجد ضباط وسوف نرسل لك حين نحتاجك.

خرجت أمشي والحائط الأبيض يسير أمامي.

نشر في موقع جيل

436 (4)
“الوقت مع وقف التنفيذ”، تيسير البطنيجي / فلسطين

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s