كيف حالك ؟ بخير إلا أنني أنتظر الموت !

في اليوم الأول من العدوان

بخير كلمة توحي بمعانٍ متعددة وجميعها غير مقبولة، نعم بخير إن كان هذا كل ما في الأمر، وما زلنا أحياء ننتظرُ بخوفٍ، إلا أن غيرنا قد فقدوا خوفهم وماتوا.

لا أعرف لماذا أشعرُ أن اللغة أضيقُ مما أحسُ به، أو لماذا أقومُ بتشكيلِ الكلمات ليتضحَ معناها، ولا أعرفُ لماذا لم أبكي حتى الآن، ولماذا أكتبُ هذا أصلاً، ما نفع الكتابة، هل هي طريقتي في أن أشغل أصابعي، بدلاً من قضم أظافري، أو تحريكها بشكلٍ دائري بلا انتباهٍ أو دراية، هل أشغل أصابعي أم عقلي كي يخرس عن ترديد صدى الحرب ؟

إننا نموتُ يا أصدقاء، أو مُتنا، أو ننتظر، هذه هي التصنيفات المشتركة بيننا هنا في غزة، في العتمة نسمعُ الانفجارات من حولنا، لا دقيقة تمر بدون انفجار أشد من الذي قبله، إنها القيامة، نسمعُ صوت موتنا ولا نراه، ننام كلنا في غرفةٍ واحدة لأننا لا نحتمل فكرة أن يموت جزء منا دون الآخر، نستمع إلى التلفاز بصمتٍ ونتناوب النظر إلى بعضنا، ونتأكد من اكتمال عدد العائلة قبل النوم، وكل يعرف مناوبته في التوتر والخوف، ونحاول أن نسامح بعضنا إذا ارتطمنا وأوجعنا بعضنا في العتمة، ولا نعترض على رغبات بعضنا في تفريغ قلقه، إما بالنكات السخيفة، أو الثرثرة، أو حتى الصمت، نكتم أنفاسنا إذا مرت الطائرة، أو سمعنا صوت الصاروخ يقترب، إننا نعرف أنه لا يقترب منا تحديداً إلا أنه يقترب، ننظر إلى النافذة في انتظارٍ غير مبرر له، ثم نتنهد حين يسقط في مكانٍ آخر، ونرصد الدقائق القليلة بين الصاروخ والآخر ونفتقده حين يمر أكثر من ساعة دون أي انفجار، لأننا لا نصدق أن الموت قد يتعب ويأخذ استراحته، لذلك لا نحن لا نأخذ استراحتنا من القلق !

حين يرن الهاتف، كنا نركض الصغار قبل الكبار -أقصد قبل الحرب- ، الآن لا نملك أي رغبةٍ في أن نرد أو نرفع السماعة، لا أحد فينا يملك طاقة للادعاء بأننا بخير، وتهدئة خوف من يتصلون ليطمئنوا، لا أحد فينا قادر على الكذب !

أنا أعتذر لأنني لا أستطيع وصف ما نحن فيه تماماً، أعتذر للذين للأم التي لملمت ابنها عن الجدران والأرض والرصيف، وللأطفال الذين لم ماتوا وهم يحضنون حقائبهم المدرسية، وأعتذر للآباء الذين ماتوا وهم يعدون أبنائهم بالحماية وهذا وعد لا ضرر في عدم الإيفاء به، أعتذر لأن الحرب عششت في رأسي ومنعتني من الكتابة بما يكفي عنكم ولكم، حتى إنني أعتذر لأنني لا أستطيع استخدام ألفاظٍ بذيئة، أنا أعتذر لأنني خائف، ولأنني لم أمت بعد !

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s