جيل ما بعد الاستحمار !

لا غرابة في أن يكون هذا الجيل متمرداً، أقول هذا الجيل -وأقصد مواليد الثمانينات وما فوق-، فقد ولدنا في أواخر مرحلة الاستعمار – الاستحمار- لذلك كان له معركة مختلفة، وهي المعركة الداخلية في المجتمع الذي يود أن نتوارث منه الفكر الثوري_ أو نقيضه- الذي برغم ثوريته يعتمد على  تقديس القيادات والآباء والكبار والصفوف الأولى استناداً على مبدأ السمع والطاعة والولاء والبراء حتى وإن كانت تلك الصفوف الأولى طاغية أو غير مناسبة لإدارة عجلة المجتمع.

لا غرابة في أن يكون هذا الجيل ساخطاً ورافضاً -لمعظم- جيل الكبار، إذا أن هذا الجيل يقوم بقياس ما قدمه الكبار له، فيجد أنهم لم يمهدوا الطريق لأجيال القادمة أبداً، وأن ذلك الجيل لم يقدم مسئولياته اتجاه الأجيال الصاعدة من تأمين لمستوى معيشي واجتماعي وسياسي أفضل من الذي كانوا عليه، ففي الوقت الذي انشغل -جزء منهم- في الصراع مع الاستعمار – ونحترمهم لذلك – كان الجزء الآخر يدعي انشغاله في العمل النضالي بينما لم تتجاوز نضالاتهم قصص قد سمعوها أو شاهدوها وينقلونها لنا على أنهم كانوا مشاركين بها.

لا غرابة في أن يكون هذا الجيل مندفعاً مثل -المحراث- نحو طموحاته، فهو جيل يؤمن أن الفجوة الواقعة بينه وبين الكبار لهي فجوة شاهقة، لها علاقة بالقفزة التكنولوجية والثقافية التي حدثت، فقدرة هذا الجيل على التعاطي والتكييف مع الأدوات التكنولوجية الحديثة لهي فائقة وسريعة ولا تعرقلها تروس الاستيعاب والتناغم معها كما يحدث مع -جزء- من الكبار، وترى أنهم يحملون نظرة استخفاف وتهبيط لما يقوم به الشباب من باب الجهل بالشيء ليس أكثر، وإنك سوف تلاحظ تغير نظرتهم إذا ما اقتربوا من أدوات الشباب واطلعوا عليها بشكل أكبر وأدق.

لا غرابة في إنكار الشباب ورفضهم لمساعدة الكبار، فمثلاً هنا في فلسطين، -جزء كبير من الشباب- يحملون الصفوف الأولى من القيادات السياسية – الكبار، الثوريين، المناضلين- مسئولية الانقسام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والجغرافي الذي حدث في حزيران من سنة 2007، إذ لا ذنب لجيل الشباب به حيث أنهم لم يساهموا في تشويه الأيديولوجية المجتمعية وإرساء ثقافة التعصب والنزاع الحزبي على المكاسب السلطوية، ولكن الأغرب أن الكبار الآن -يطالبون – جيل الشباب في أن يتقدم عجلة التغيير وأن يساهم في إعادة اللُحمة الوطنية إلى المشهد الفلسطيني، فنجد أن المثل القديم قد انقلب وأصبح – أن الكبار يخطئون، والصغار يصلحون- وهذا ينطبق على الكثير من الحالات والقضايا في العديد من الدول العربية أيضاً.

لا غرابة في أن يستخف الشباب بحديث الكبار ونصائحهم – وليس معرفتهم- حيث أن النصيحة تكون غير موضوعية في نظر الشباب -حتى وإن كانت صادقة- فلا يوجد مساحة قبول لهذه النصيحة بسبب التناقض والفجوة الموجودة بينهم، فمثلاً كيف سيقدم الكبار نصيحة حول آلية عمل أو أداة من أدوات عمل الشباب وهم ليسوا على إطلاع دقيق وجيد في حيثياتها وفلسفتها، حيث أن الجيل الجديد الذي يبتكر أدوات وطرق حديثة ويؤمن بأشياء يسخف بها الجيل القديم، مثل الفن بكل أنواعه، سواء الغناء أو الرسم أو الجرافيتي، والكتابة الحديثة بجميع أدواتها وأنواعها، خصوصاً الإلكترونية منها، وقد ظهر هذا واضحاً قبل وأثناء وبعد الثورات العربية.

لا غرابة في كل ما سبق، ولكن الغرابة تكمن في دور الأجيال السابقة الذي يحاولون انتزاعه إما عن طريق الالتفاف على العمل الشبابي، أو من خلال محاربته، وسنجد هذا واضحا في أكثر من حالة سواء هنا في فلسطين أو في الوطن العربي أجمع، والغرابة الثانية هي اتكال الأجيال السابقة على الجيل الشاب في إصلاح ما دمروه عبر السنين – ولكن بطريقة الجيل القديم-، في الحقيقة ما يحدث هو أن الشباب يتصدرون طليعة العمل بإرادتهم الخاصة، وبفكرهم الخاص ليس رغبةً في إصلاح ما تم تدميره، ولكن رغبةً في بناء ما يناسبهم وتمهيداً لما هو قادم أيضاً، وغالباً ما يكون موقفهم من الأجيال السابقة هو موقف دفاع عن النفس لا أكثر.

محمد الشيخ يوسف

فلسطين – غزة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s