رسالة إلى الحُر خضر عدنان !

 

ماذا أقولُ لكَ، وأنا منفيٌ هُنا، وأنت الحُر في زنزانتك ؟

– مَن مِنا أكثرُ حريةً من الآخر، وكيف لنا أن نعرف معنى الحرية وأنتَ تلفُ أمعائكَ شرائط لجدائل البناتِ الصغيراتِ، ومشانق للسجانِ والمحتل –

 

ما زلنا لا نفهمُ سر انسحابِ الشمسِ عن صباحاتنا، وتشبثها بنافذة زنزانتكَ، ولا نفهمُ أيضاً لِماذا تحولت كُل عصافيرِ البلادِ لغربان، ولماذا كلما نسمعُ كلمة “حرية ” نشعرُ أننا مدينون لكَ، وحين نسمعُ كلمة “كرامة” نشعرُ أننا أقلُ منكَ، والأقسى حين ننتهي من طعامنا، ونمسحُ أيدينا ونخفيها كي لا تظهر خطيئة النسيان، وخطايا تُشبِهُ الشبع !

يا رجُل، لقد كُنا في سُباتنا هانئين بنشوةِ النسيان، قابعين خلف زنازين خوفنا، نأكلُ ونشربُ من لحمِ بعضنا، ونؤجلُ الوطن سبعين خريفاً، ونتوددُ للحياةِ كي تمُر بنا، ونعقدُ اتفاقاً مع الموتِ ينصُ على أن يغيب عنا مُقابل أن نُغيبَ ما تبقى من رجولتنا، وجئتَ أنتَ علوتَ بإرادتكَ ودنونا بخوفنا، تجليت بحريتكَ وتعثرنا بقيودنا، وكُنا نظنُ أن الزمان لا يبعثُ ريحاً مثلكَ ترجمُ زيفنا، وكُنتَ أنتَ الذي كشف عُري الحقيقةِ الحبلى بالخديعةِ والغواية !

ما نملكُ نحنُ جواركَ أن نقول وأنتَ الذي فعلت، وسيفُكَ أحدُ من أقلامنا، يا خضر لماذا كُلما خطيتَ إلى حريتكَ خطوةً اخضرت الأرضُ من تحتكَ، وغصنا نحنُ في قاحلةِ الرمال.

علِمنا دروساً جديدةً في الوطنيةِ كتبتها في أقبيةِ الزنازينِ الباردة، بدل التي عرفناها في أقبيةِ غفواتنا وعلى مراقدِنا الدافئة، افشي لنا أسرار السجنِ وكيف يكونُ السجان مرتعداً والمسجونُ مطمئناً، وكيف يكونُ الجوعُ برداً وسلاماً والشبعُ مُذِلاً وحرماناً.

يا حبيبي سلِم على الحمائمِ التي هجرت أرضنا وسكنت كتفيك، وعلى العصافيرِ التي اعتزلت الغناء الصباحي وصار صوتها مبحوحاً من كثرةِ ما انتحبت عليكَ ونادت علينا، وردهم لنا، رد لنا كرامتنا وما تبقى من رجولتنا، واعذر سهوتنا فما زال في هذا الوطن من يعرفون البكاء في بطنِ الليل !

 

يا خضر إن نوافذنا يدخُلها الريحُ مدمياً، وأنتَ تسحبُ عليل الهواءِ إلى صدركَ لا يدميهِ لا أسلاكٌ شائكة ولا كِلابُ حراسة، وإنكَ إن صُلِبتَ على صليبِ الجوعِ ستٌ وستون يوماً فإننا مصلوبون على توافهِ التيهِ ستون عاماً أو أكثر، لا نحنُ تعلمنا مِنكَ ومن السابقين أن الحرية خبزٌ وتمر، ولا نحنُ فكرنا بالمساميرِ التي دُقت في رؤوسنا وخدعنا العلو فوق الصليب، وفي الوقتِ الذي نفردُ ذراعينا لنحمِلَ كيس الطحينِ، كُنت تفردهما للدعاء المُستجاب، ونتكهنُ الفرج من فُتاتِ الخيالِ.

يا عدنان هذهِ الطوابيرُ ليست سرباً من المُقاتلينِ، هذهِ طوابير المنسيين على بابِ محطاتِ الوقود، وهذا الليل المُزمن ليس لأن البلاد أشعلت شموعاً لأجلِ الصلاةِ والنحيبِ على حالها، هذا حالنا إذ رضينا الظلم فرضي علينا الظلام، وهذهِ الوجوه لم تتقشر ملامحها بفعلِ الشمس بل هو البردُ الذي لا يُفارقُ هواجسنا الخجلة منك !

يا حبيبي أكثر من تبسمكَ، لا صدقةً على الناسِ، بل لأن ابتسامتكَ الطرية، تُقلِقُ نوم سجانيكَ وهزيمتنا، وتُقطعُ سهونا وتُبرِقُ في الظلمةِ على العبيدِ، ليتذكروا أنهم لم يولدوا عبيدا.

ولا تسأل كم لبثنا، فقد وضع راوي التاريخ أقلامهُ، واعتمد رواية الصامتين والنائمين دون تغييرٍ، وإنكَ لأرهقتهُ في التنقيبِ عن تاريخينا لإعادةِ الكتابةِ عنك وعنه، ولا تسأل كم لبثنا فقد لبثنا دهراً أو بضع دهر !

يا حُرُ في منفاكَ، ونحنُ السجناء في أرضنا وأهلها يطرزون المكائد لبلادنا، كلما نقص منهم خبيثٌ أرسلوه إلى الله مُحملاً باسمهِ ولقبهِ وعنوانهِ في الفردوس، ولا تحزن فقد هززت جذوع البسطاء وتساقط عليكَ دمعاً وحُباً جنياً، وإذا ما هززتَ أربابِ البلادِ تساقط من أكتافهم صُررٌ من الخزيِ والخطاباتِ ومنصاتٍ ومنابر تطاولت حتى نقرت طرف حذائك، والجياعُ ليسوا سواسيةً في جوعهم، فمنهم من جاع وجوع غيرهُ للجوعِ، ومنهُم من جاعَ فأشبعَ الناس من بعدِ جوعهِ، ومنهم من جاع فشَبِعَ وجوعَ الناس ليقضي جوعه، فعلمنا كيف نجوعُ لكي نحيا !

خضر انتصرَ وعلمنا أن الفكرة دائماً تنتصر !

الحادي والعشرون من شباط 2012

CIoV_wbUYAAWQSH.jpg

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s