الحِقدُ يُعري الثورة، والحُبُ كسائها !

ما يحدُثُ الآن هو نِتاجٌ طبيعي لِما عانتهُ الشعُوب من أبويةِ آلهةِ السُلطةِ والحُكم، وتعسُفٍ تناقُلي بين طبقاتِ المُجتمع وقطاعاتهِ، الشُرطي يضربُ الأب، والأب يشفي غليلهُ بضربِ الابن، والابن يردُ الصفعة لأختهِ، والأخت تُعرضُ عن أمها، والأم تُقارعُ حماتها، والحماةُ تُغيظُ جارتها، والجارةُ تُعكِرُ صفو زوجها، وزوجها يُعلقُ أبنائهُ على مساميرٍ في حائطِ البيت !

يحدث أن يخرج كُل الأبناء إلى الشارع، ضجرين، مستاءين، يتمردون على رأسِ الصفعِ والقمع، يحملُ الثائرُ قنبلة الغازِ من بين قدميهِ ويُلقي بها إلى العسكري مرةً أخرى، وفي رأسهِ ألفُ شخصٍ يودُ لو أنها سقطت في حجرهم ! يحدُث أن يخرُج كل الآباء إلى الشارعِ كي يحموا أبنائهم من غيظهم، تخرج الأمهات كي يشحنَ أحضانهن بالحبِ، والشيوخِ ليستزيدوا بالأيمان من بعدِ كُفرٍ، والأطفال، كي يُرتبوا لهم مستقبلاً أكثر وضوحاً من الذي يُرتبهُ لهم الكبار دون درايةٍ أو علمٍ بأحلامِ الصغار.

الثقافة العربية مبنية على تناقُلِ القمع مثل المرض، وبعوضة الديكتاتورية تلدغُ المجتمعات في المقتلِ، وفراشة الثورة تُطيبُ الآن احتقاناتهم !

هذا ما ورثناهُ عن أجدادنا، وما لا نُريدُ توريثهُ لأحفادنا، إننا إذ نثورُ ونُساندُ الثورة ما نفعلُ ذلكَ إلا انحيازاً للمستقبلِ، مُستقبلنا، ومُستقبلِ ورثتنا. كُل ما علينا أن نُفكِرَ بهِ الآن هو كيف نُغربِلُ ثقافتنا وبقايا الجهلِ في عقولنا، وأن نلتقطَ منها الحسن، ونُفني الضار كي نُعِدَ للأجيالِ القادمة وجبةً خفيفةً على سلوكهم، وغيرُ ضارةً بمسارِ حياتهم !

الحِقدُ الذي رآكم الثورة في صدورنا، وأشاع السخطَ في أذهاننا، وفصلَ مقاساتِ الغضبِ والضجرِ، وعرى الثورة من مخبئها هو الذي يهبُ الناس من أجلِ إنهائهِ، فما الثورةُ إلا فِعلُ حُب يكسوا الوجوه ويُسدِلُ ستائر الطمأنينةِ على قلوبهم، نثورُ لأننا نُحِبُ الأرض، الوطن، الحياة، نُحِبُ أنفسنا، وأحلامنا الآتية من بعيدٍ نحونا !

للثوارِ أقولُ: لا تعودوا إلى البيتِ، بيتكم، قبل أن تتأكدوا أنه لن تصلكم صفعة امتدادها من رأسِ الهرمِ إلى قاعهِ ! لا تعودوا للبيتِ بيتكم قبل أن تتفشى أحلامكم وأغانيكم، وضحكاتكم، في كل شارعٍ وحارةٍ ومركزٍ ومعتقلٍ ووزارةٍ ومحكمةٍ وسيارةٍ وسقفٍ وبيت !

للآباء أقولُ: الأبناء الآن يُحاولون الخروج من عباءةِ كسرِكُم، فقد هرمتم أمامهم بكُلِ حنوٍ، أنتُم تُريدون  الأبناء نُسخةً أصليةً عنكم، وهم يريدون ذلكَ ولن بطريقةٍ أكثرُ اعتدالاً ونجاحاً منكم كي يثبتوا لكم أنهم على قدرٍ كافيٍ من الوفاء، فلا تقمعوا طريقتهم في الوفاءِ لكُم !

للحُكامِ أقولُ: إن لثورةِ الشعبِ فعلُ العواصفِ، وقد أرسيتم المجتمعات مُستنقعاً لأطماعكم، فلا المُستنقعُ يدومُ ركودهُ ولا أنتم يدومُ العزُ لكم، من بات جائعاً سيلفُ أمعائهُ ويعلقها مشانقاً لكم، ومن بات مظلوماً سيُحولُ دعائهُ هتافاً ضدكم، وستهتفُ معهُ السماءُ والأرضُ، ومن لم يستقي الكرامة في أرضهِ، سيُحرِقُ الأرض من تحتكم وتحتهِ !

لِمصر أقول: ليسَ في مصر أطهرُ من ميدانِ التحريرِ، وكما يجري الدمُ في عروقِ الجسدِ، سيضُخُ الميدانُ الحياة في كُلِ شارعٍ من مصر، وإن للميدان نبضاً لا يسمعهُ إلا من نام بأرضهِ، وهتفَ بين أشجارهِ، وسال دمهُ في شقوقهِ، وليست كُلُ مصر ميدان التحريرِ، وسيكونُ ميدان التحريرِ كل مصر !

387028_292420474141157_104224996294040_711766_631020807_n.jpg

3 Comments Add yours

  1. سلمى says:

    جميل أن نتحدث عن الثورة بصوت منخفض أحياناً. كأننا نروي قصة ماقبل النوم لطفل. الثورة فعل رقيق لا كما يحاولون وصفه. هي اجتياح الحب فينا عندما يخيب ظنه في كل شيء. يخرج أحياناً بعنف ينتظر أن يتفهمه أحد, ليخجل, ويكشف مدى رقته. كما فعل نصك “بالزبط”

    Like

  2. Dania says:

    الثقافة العربية مبنية على تناقُلِ القمع مثل المرض، وبعوضة الديكتاتورية تلدغُ المجتمعات في المقتلِ، وفراشة الثورة تُطيبُ الآن احتقاناتهم !

    علّ تلك الثورات كانت ك ((استحمامٍ)) عام للمشاعر المكبوتة ,والضارة ,السامة
    لكل الأمة.

    Like

  3. Mema says:

    .. أجملت الثورة بأسبابها…
    .. كما أنك .. نقشت رسالة الجميع يودُ إيصالها.. وهي تلكَ التي موجهه للأباء..
    وما الثورة إلاحقد.. تجمعَ منذ قرون داخل صَدر كُل فرد مُكون للمجتمع.. قد.. امتلأت صدورنا وامتلأت اجسادنا بالطاقة السلبية.. وآن الآوان لنفض ونزع… وسَكب تلك الطاقة خارجاً..
    لنعود مرةً أخرى للنقاء والصفاء.. ويغدو الدم في العروق.. كأنه أطهر الانهار..
    تحياتي لكَ صديقي العزيز…
    دُمتَ ذُخراً ,, للوطن.. ولنا ..

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s