الحِقد أصلُنا وفصلُنا !

الحِقد أصلُنا وفصلُنا !

أن تعيش منذ ولدت مُداساً تحت أقدام العابرين، وتنتظر مُساعدات الأنروا، وتذهب للمدرسة فيعنفكَ الأستاذ، ويضربكَ الناظر، ويطردكَ البواب، تذهب للبيت تجد الأب جالساً يدخن، ويفكر كيف سيأتي لكَ بالمصروف اليومي، وعندما تضيقُ بهِ الدنيا ويفقد أعصابه، ينظر إليكَ ويوبخكَ وربما يضربكَ، فتذهب إلى أمكَ باكياً فتوبخكَ لأن ملابس المدرسة مُتسخة، وأنتَ لا تملكَ غيرها، فتضطر أمكَ لغسلها مرة آخرى في الوقت الذي لا يوجد لديكم مسحوق غسيل لذلك !

أن تولدَ في الإنتفاضة، وتترعرع في ظل فلتان أمني، وتصير فتياً في ظل الإنتفاضة الثانية، وتشِبَ في ظل الإنقسام أو الإنقلاب أو الحسم، أسموهُ كما أردتُم، لا أريد أن أعرف ما اسمه، ولكني أعرفُ شكله جيداً، أن تِشبَ في ظلهِ وتكون مجبراً على التعاطي معه، وتقبله، وتشيبَ ثم تموت وأنتَ لا تملكُ إلا حفنة من الأمل !

أن تكون طالباً جامعياً، لا تقوى على سداد أقساطكَ الجامعية، وتذهب لجامعتك بمصروف شخصي يكفي لمواصلاتكَ فقط، وترسب لأنكَ ليلة الإمتحان كُنتَ مشغولاً طوال الليل في الحديث مع حبيبتكَ التي أحببتها كي تجد منفذاً للسعادة من خلالها، وفي نهاية حديثكما تتشاجران، لأنكَ لا تملكُ في رصيدكَ ما يكفي لترد على رسالتها، وتذهب لجامعتكَ تضيعُ وقتكَ في التودد لهذا وذاكَ، والتقرب من صناع القرار، كي يساعدوكَ في العبء الدراسي، وأن يطردكَ الأستاذ من المحاضرة لأنك تأخرت قليلاً وهو لا يعلم أنكَ أتيتَ مشياً إلى الجامعة كي توفر ثمن كرت الجوال، الذي ستصالح بهِ حبيبتكَ !

أن يكون نصفُ وطنكَ هُنا، ونصفُ وطنكَ هُناكَ، وحكومتكَ هُنا، وحكومتكَ هُناك، وقرار أمركَ هُنا، وقرارُ أمركَ هُناك،  وتكون خائفاً من السيارات التي تحمل “النمرة الحمراء”، وتلتفُ يميناً ويساراً، وتضربُ بقدماكَ الأرض تكراراً، وتفكر في ما ستكتب، وما ستقول ألف مرة، وأن تُقمع إن حاولت أن تمارس وطنيتكَ بأقل مستوياتها، وتعتقل إن أردت أن تزيد ارتباطكَ في وطنكَ قليلاً، وتكون مجبراً على الصمت دائماً، وعلى أن تبحث عن مأكلكَ ومشربكَ فقط !

أن يؤلمكَ رأسكَ من كثرة المصطلحات والمفاهيم المتداخلة والمعقدة في الحوارات وفي التلفزيونات، ولا تبكي عندما ترى الأموات، وأن يكون نبأ الاستشهاد عادياً، وأن يكون خبر الموت عادياً، وتنسى أن لكَ طموح، وتنسى أن لكَ كينونة وإنسانية، وتنسى أن لكَ حقوق، وعليكَ أن تُبدي واجباتكَ فقط !

أن تكون في الشارع فترى الناس ينظرون إليكَ، وتصطدم بكتف شخص غريب، وتقول له” أسف” فيتعدى عليكَ، فتقول له أنكَ لم تقصد، فيلكمكَ، وتنسى أن الأدب ليس أفضل طريقة للدفاع عن النفس !

أن يوبخكَ الناس حين تخطئ، ويضربكَ القوي حين تخطئ، ويعتقلكَ الشرطي حين تخطئ، ويسجنكَ السجان حين تخطئ، ويظلمكَ الظالم حين يعتقد أنك مخطئ، ويوبخكَ أباكَ حين تخطئ، وينفيكَ المجتمع حين تخطيئ، ويبتعد عنك الناس حين تخطئ، وتترككَ شريكتكَ حين تخطئ، وتطرد من العمل حين تخطئ، ولا يشكركَ أحد حين تُصيب أو تفعلُ صالحاً !

أن تكون الأكثر كفاءة والأقل فرصة في العمل،  تتذلل للناس كي تعمل، تطلب العمل في كل دقيقة، وتكون حياتك مبنية على الواسطة، وتخشى التخرج من الجامعة، كي لا تكون من عداد البطالة، وتتخرج من الجامعة وتعمل سائق تاكسي أو بائع في السوق، تخرج من البيت يومياً وأنتَ في حالة عصبية بعد مشاجرة مع أهلكَ لأنكَ لا تعمل، وتعمل ولا تستطيع أن تفي ديونكَ، أن تعمل ولا تستطيع أن تتزوج، أن تتزوج وتراكم على ديونكَ ديوناً !

أن تتوسم في الناس خيراً فيخذلونكَ، وتحلم فيحبطونك، وتطير فيسقطونك، وتركض فيعرقلونك، وتزحف فيدوسونك، وأن تلجأ للأقربين فينكرونكَ، وتلجأ للبعيدين فيبعدونكَ، وتتوسم خيراً في الطيبين، فيتعكزون عليك، وكلما رميت نفسكَ من فوق ألفِ طابقٍ، امسكوا بكَ وقالوا، ما زال هُناك أمل !

أن تشعر أن الأرض ليست أرضك، والسماء ليست سمائك، والأهل ليسوا أهلك، والجيران ليسوا جيرانكَ، فتصرُ على الهروبِ، وتفكر في السفر ألف مرة، وكلما بدأت ببناء شيء هدمته، لأنكَ لا تريدُ أن تبني في أرضكَ شيئاً، وأن تفقد الأمل بوطنكَ، وحكومتكَ وشعبكَ وساستكَ، فتقرر الخروج نحو من يحترمكَ، فيقولوا عنكَ أنكَ خائن وهارب !

أن تبحثَ عن وطنكَ في غير أرضكَ، وشعبكَ في غير شعبكَ، وكينونتكَ في غير قضيتكَ، فتفقد الأرتباط في كل شيء، في وطنك، وأرضكَ وقضيتكَ، وأحلامكَ وطموحاتكَ، وتخطط لأن تكون إنساناً فقط، ولكن ليس هنا، إنما في أي مكان يتيحُ لكَ الفرصة كي تكون إنساناً، أو يعترفُ بكَ كإنسان !

أن يتوقفَ مستقبلك على المال، والمال غير موجود، وإن وجد فمعناه إما أن عليكَ أن تبيعَ نفسكَ، أو أن تستدين، وفي الحالتين ستسقط، ولن تقف مرة آخرى !

أن يتضامن معك الغرباء، وينكركَ الأقرباء، وتكون عزيزاً في غير بلدكَ، وأن تمنع من أن تخرُجَ حتى من بلدكَ، وأن يكون سهلاً عليكَ أن تدخل بلاد الله، وصعباً عليكَ أن تخرج من سجنكَ، وأن تلتقي بالأجانب فيسعدون لأنكَ صاحب القضية، وتلتقي ببني جلدتكَ فينكرون عنكَ شرف القضية !

أن تكره نفسكَ وغيركَ، وجاركَ وعمكَ وخالكَ، وأباكَ وأمكَ، وتكره كل من يمشي في الشارع، وكل من يجلس في بيته، وكل من يحي ويموت، وكل من ياكل ويشرب، ويضحك ويبكي، أن تكره كل تفاصيل الحياة، وأن يكون خيار الموت أسهل من خيار الحياة، وأن تقابل كل يوم مريضاً نفسياً، وتعود لبيتكَ مريضاً نفسياً !

أن يحيطكَ كل أنواع الفكر والثقافة بأدنى مستوياتها الفكرية، وأن تكون مجبراً مع التعاطي معها جميعاً والإذعان لها جميعاً، وعبداً للعادات والتقاليد، وعبداً للنظام، وعبداً للحكام وعبداً للفقر، وكافراً بهم جميعاً !

لا تسألني أين ستكون !

عليكَ أن تعرف وحدكَ، كيف أن كُل ذلكَ يبني جيلاً من الحقدِ، على الناسِ وعلى نفسهِ، وإن أكثر ما يدفعهُ الإنتقام من نفسهِ وأهله ومجتمعهِ وحكومتهِ ووطنهِ وربما كُل من ضحكَ ساخراً منه !

وكيف أن جيلاً يُبنى على التناقضات وفي أدنى مستويات الحياة فكرياً واجتماعياً وسياسياً وأمنياً وثقافياً، يكون جيلاً تائهاً طالحاً، مريضاً بالحقدِ والثأر والغيرة واليأس والبؤس والإحباط !

لا تسألني أين ستكون !

9f08fc337d6dea32c72b42205db51593

وإني لستُ بكافرٍ، ولكن الظلم كافر، والذل، والجوع، والفقر، والعطش، والخوف، والحقد، والدم، والألم كفار !

One Comment Add yours

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s